حدث أمرٌ مثير للاهتمام في فوز ليفربول المتأخّر جداً على بيرنلي هذا الشهر. فبعد لحظات من احتساب ركلة الجزاء على هنبعل المجبري، وترجمها محمد صلاح لهدف الفوز، تعالت أصوات مجموعة من مشجّعي بيرنلي مردّدين هتافاً أصبح يتكرّر بكثرة في المواسم الأخيرة: «الدوري الممتاز، فاسد حتى النخاع».
للوهلة الأولى، بدا الأمر غريباً. فالقرار كان من بين أوضح القرارات التي يمكن أن تراها: لمسة يَد صريحة لم تُثِر سوى احتجاج طفيف من لاعبي بيرنلي. لم تكن هناك أدلّة تُذكر على وجود خطأ تحكيمي، ناهيك عن فساد مؤسسي.
لكنّ الهتاف يبدو وكأنّه أصبح ردّ الفعل الافتراضي على أي حدث سلبي أثناء المباريات، حتى إنّه سيكون أسرع لو حدّدت الملاعب القليلة التي لم يُسمع فيها، على رغم من أنّ صداه كان أوضح وأعلى بين جماهير إيفرتون، نيوكاسل يونايتد، نوتنغهام فورست، ولفرهامبتون واندررز، وأستون فيلا.
إلى جانب واقعة هنبعل مع بيرنلي، ربما كان المثال الأبرز أخيراً، عندما اهتز ملعب «سانت جيمس بارك» لطرد أنطوني غوردون إثر تدخّله الواضح على كعب فيرجيل فان دايك. كان القرار واضحاً أيضاً، لذا غالباً ما يبدو هذا الهتاف سخيفاً إذا فُهم حرفياً.
لكنّ الهتافات لا ينبغي أن تُفهم دائماً بحرفيّتها. معظم المشجّعين يعترفون بأنّ فريقهم ربما ليس الأعظم في تاريخ كرة القدم. صلاح ليس ملكاً مصرياً فعلياً. فهل كل مشجّع لمانشستر يونايتد يُغنّي دعماً لروبن أموريم، يعتقد فعلاً أنّه سيُعيد أيام المجد؟ ربما لا.
بل إنّ هذه الهتافات تمثّل شيئاً آخر، تعبيراً عن حالة أو مشاعر أوسع. قد تكون وسيلة لإظهار الحُبّ للنادي، أو دعماً وتقديراً لمدرب أو لاعب، أو قد تكون شكلاً من أشكال الغضب، طريقة للتعبير عن السخط بوضوح. أمّا هذا الهتاف تحديداً، فيبدو أنّه نابع من كل تلك الأمور مجتمعة، لكنّه يعكس أيضاً شيئاً أكثر تحديداً من مجرّد غضب عشوائي.
هناك شريحة واسعة من الجماهير ربما تعتقد فعلاً، ولو جزئياً، بوجود فساد في اللعبة، أو أنّها تبنّت نظريات مؤامرة تزعم أنّ البُنى الكروية صُمِّمت لعرقلة أنديتهم. يمكن ربط ذلك بالمزاج العام السائد في المجتمعات والسياسة الحديثة... لكنّه نقاش أوسع بكثير.
وبحسب مجموعة من المشجّعين، فإنّ كثيرين لا يعتقدون فعلياً أنّ الدوري الممتاز فاسد بالمعنى الحرفي. بل أصبح الأمر شكلاً من أشكال الاحتجاج، ليس بالضرورة على حادثة محدّدة، بل على طَيف واسع من المشاكل التي يواجهها مشجّعو كرة القدم هذا العام. وسيتطلّب الأمر وقتاً طويلاً لسردها كلّها، لكن إليك بعضها:
أولاً، حضور المباريات يرتبط بلائحة طويلة من القيود. أسعار التذاكر نقطة البداية الواضحة. لكنّ الحصول على التذكرة مهمّة شاقة: في كثير من الأندية، عليك دفع رسوم عضوية قبل أن يُسمح لك أصلاً بالانتظار في طابور لشراء تلك التذاكر الباهظة. وإذا حصلت على تذكرة ولم تتمكن من حضور المباراة، بات من الصعب أكثر فأكثر تمريرها لصديق من دون أن تتلقّى بريداً إلكترونياً صارماً من النادي. وإذا كان لديك تذكرة ولم تحضر وقرّرت أنّ مشقة نقلها إلى صديق أكبر من اللازم، توقّع بريداً إلكترونياً آخر يوبّخك على عدم استخدامها.
أصبحت التذاكر رقمية في معظمها، وهو أمر جيد إذا كنت تملك هاتفاً ذكياً وتجيد استخدامه، لكنّه مشكلة كبيرة إن لم يكن الأمر كذلك.
ثم هناك تجربة الملعب: مقاعد ضيّقة. رؤية ضعيفة. رقابة مشدّدة بشكل مبالغ فيه. خدمات غير كافية للمشجّعين ذوي الإعاقة. تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) عندما تخطئ. الـVAR عندما يستغرق وقتاً طويلاً ليصحّح القرار. الـVAR عندما يستغرق وقتاً طويلاً ليُخطئ في القرار. والمعايير التحكيمية بشكل عام.
وإذا كانت كل هذه الأمور تعني أنّك لا تستطيع تحمّل كلفة حضور المباريات أو أنّك محبَط منها، فلا بأس، يمكنك المشاهدة عبر التلفزيون. لكن في إنكلترا، ستحتاج إلى اشتراكَين على الأقل لمتابعة معظم المباريات، بتكلفة تتجاوز 100 جنيه إسترليني شهرياً. وحتى مع ذلك، لن تتمكن من مشاهدة جميع المباريات.
وهذا كلّه قبل التطرّق إلى القضايا الهيكلية الأوسع. قواعد مالية غامضة، وإن كانت في كثير من الأحيان حسنة النية، لكنّها غير عادلة في التطبيق، أو لم تُشرَح بشكل كافٍ فبدت غير عادلة. أندية توظّف محاسبين بارعين للالتفاف على تلك القواعد عبر بيع أصول لأنفسها. والانطباع السائد بأنّ العقوبات غير متسقة على مَن يخرقون القواعد.
وهناك المزيد. مجموعات مُلكِية متعدّدة الأندية تقوّض تدريجاً هوية الأندية. استياء من طريقة تطبيق القواعد ضدّ مُلكِية الأندية المتعدّدة. إضافة مباريات ومسابقات جديدة باستمرار ممّا يُخفِّف من جودة اللعبة. رعايات من شركات مراهنات تبدو غير موجودة أساساً، ومن شركات العملات الرقمية. اختطاف اللعبة والمؤسسات المجتمعية التي بُنِيَت حولها من قِبل قوى سامة تستخدمها لمصالحها الخاصة. والازدراء العام الذي يُعامَل به المشجّعون.
لكنّ المشكلة الأكبر هي أنّ المشجّعين، كقاعدة عامة، لا يملكون الكثير من النفوذ أو الوسائل للاحتجاج الفعّال. الأندية لا تكترث إذا قرّرت مقاطعة المباريات: فهناك على الأرجح 10 آخرين ينتظرون لشراء مقعدك، وإذا كنت تدعم نادياً كبيراً صديقاً للسياح، فمن المحتمل أن يدفعوا أكثر منك. الاحتجاجات الميدانية غالباً ما تُتجاهل. أمّا الإلكترونية فأسهل تجاهلاً.
صحيح أنّ هناك بعض الأمثلة المحدودة لاحتجاجات جماهيرية أحدثت تغييراً حقيقياً أو أجبرت الأندية على التراجع (الردّ على مشروع دوري السوبر الأوروبي أبرز مثال)، لكنّها تبقى قليلة. وعلى رغم من أنّ وسائل التواصل الاجتماعي منحت نظرياً كل مشجّع صوتاً، فإنّ الحقيقة أنّ المشجّعين لم يكونوا يوماً أضعف ممّا هم عليه الآن. لذلك، فإنّهم يُعبّرون عن احتجاجهم بطرق مسموعة. يمكنك اعتبارها النسخة الحديثة من صراخ الجمهور: «الحكم وغد»، أو «غشاش، غشاش». قد لا تكون صحيحة حرفياً، لكن من الصعب أن تتحلّى بالدقة في التعبير وأنت في الملعب والمشاعر متأجّجة. غالباً ما تُختزَل تعبيراتك إلى أبسط عناصرها، إلى أسرع وأوضح وسيلة لإطلاق مشاعرك.